عثمان بن جني ( ابن جني )
25
سر صناعة الإعراب
فأما قولهم لفلان صيت إذا انتشر ذكره في الناس ، فمن هذا اللّفظ ، إلا أنّ واوه انقلبت ياء لانكسار الصاد قبلها ، وكونها ساكنة ، كما قالوا ريح من الرّوح ، وقيل من القول ، وكأنهم بنوه على فعل ، للفرق بين الصوت المسموع ، وبين الذكر المتعالم ، على أنهم قد قالوا أيضا : قد انتشر صوته في الناس ، يعنون به الصيّت " 1 " الذي هو الذكر ، والصيّت في هذا المعنى أعمّ وأكثر استعمالا من الصوت ، ولا يستعمل الصيّت إلا في الجميل من الذكر ، دون القبيح . والصّوت مذكر ، لأنه مصدر بمنزلة الضرب والقتل والغدر والفقر . فأما قول رويشد بن كثير الطّائي : يأيّها الرّاكب المزجي مطيّته * سائل بني أسد ما هذه الصّوت " 2 " فإنما أنثه لأنه أراد الاستغاثة . وهذا من قبيح الضرورة ، أعني تأنيث المذكر ؛ لأنه خروج عن أصل إلى فرع ، وإنما المستجاز من ذلك ردّ التأنيث إلى التذكير ، لأنّ التذكير هو الأصل ، بدلالة أنّ " الشيء " مذكّر ، وهو يقع على المذكر والمؤنث . فعلمت بهذا عموم التذكير ، وأنّه هو الأصل الذي لا ينكسر . ونظير هذا في الشذوذ قوله ، وهو من أبيات الكتاب : إذا بعض السّنين تعرّقتنا * كفى الأيتام فقد أبي اليتيم " 3 "
--> ( 1 ) الصيت : انقلبت الواو ياء لانكسار الصاد قبلها . ( 2 ) يا أيها الراكب المزجى مطيته * سائل بني أسد ما هذه الصوت هذا البيت لرويشد بن كثير الطائي ، ذكره صاحب اللسان ( 4 / 2521 ) . المزجى : السائق برفق ، يقال : الريح تزجي السحاب : أي تسوقه سوقا رفيقا . لسان ( 3 / 1815 ) والصوت : الجرس الذي يحدث من اصطدام جسم بآخر ، فتحمله موجات الهواء إلى الأذن ، وهو مذكر ، وإنما أنثه الشاعر هنا لأنه أراد به الضوضاء والجلبة أو الاستعانة . وابن جني قبح هذا الشاهد الذي يتم فيه تأنيث المذكر لأنه خروج عن أصل إلى فرع ، وأجاز العكس أي رد التأنيث إلى التذكير لأن التذكير هو الأصل . إعراب الشاهد : الصوت : خبر مرفوع . ( 3 ) إذا بعض السنين تعرقتنا * كفى الأيتام فقد أبي اليتيم -